ربما لا تكون مبالغة ولم يكن تجاوزاً للحقيقة إذا قيل أن تفسير الميزان (1 )" دائرة معارف قرآنية كبرى" يتيمة دهرها، تحتضن بين دفتيها الفلسفة الإلهية، والعقيدة الإسلامية والشريعة المحمدية، والأخلاق الربانية والمفاهيم والرؤية الكونية الدينية .
وهو تفسير فريد من نوعه في بيان النقاط العلمية الجليلة و الدقيقة والحساسة، بشكل كافٍ ووافٍ، ونضـّد بين المعاني الظاهرية، والباطنية للآيات القرآنية وبين المنهج العقلي و ألنقلي .
ويحتوي على نكات وبصائر ومطالب فيها إبداع وجلال وجمال، فمنذ بزوغ نوره الأول أخذ العلماء والمحققون يتجاذبون قبسات أنواره، وأصبح لعشاق المعارف القرآنية ، ينبوعا بل بحرا كلما غاصوا في أعماقه نالوا لؤلؤاً ومرجاناً ، وكلما شربوا من ماءه ازدادوا عطشاً ليغترفوا غرفة بعد غرفة .
يقول السيد الطهراني (ره) وهو تلميذ العلامة :
" لقد بلغت أهمية هذا التفسير وما ينطوي عليه من نقاط قوة وجذب حداً أمكن أن يقدم للعالم على أنه قاعدة لعقائد الإسلام والشيعة، بل يمكن بثه بين جميع المذاهب والمدارس ودعوة أصحابها على أساسه إلى الإسلام والتشيع (2)
ويقول أيضاً :
"بين يدي أكثر من ثلاثين تفسيراً قمت بمطابقتها وهي من أهم تفاسير الشيعة والسنة، بيدَ أني لم أجد أعذب وأشهى من تفسير الميزان ولا أكثر جاذبية وشمولاً منه، فالميزان وكأنه قد عزل عن بقية التفاسير ودفع بها إلى زاوية النسيان بهذا القدر أو ذاك وأخذ مكانها " (3)
وحقاً ما قيل أنه ناسخ التفاسير على نحو الإطلاق والعموم . (4)
وجاءت هذه القيمة العظيمة لهذا التفسير الذي فاق الكل ، نتيجة أمور امتاز بها العلامة الطباطبائي " رحمه الله " منها الإطلاع الواسع على جميع الظواهر القرآنية، والمعرفة العميقة والدقيقة لسنة المعصومين " عليهم السلام " المتسالم عليها ، وتبحره في العلوم العقلية من منطق وكلام وفلسفة وعرفان وغيرها ، والعلوم النقلية كالحديث والدراية والفقه والأصول والتاريخ .
وقد أهتم العلامة الطباطبائي " رحمه الله " كثيراً بترتيب وتنضيد هذا الأثر القيم والثمين ، حيث أنه رجع إلى أكثر من مائة وثمانون مرجعاً ومصدراً ، في التفسير والروايات واللغة والتاريخ والاجتماع وبقية العلوم ، حيث أن بعضها يتكون من عدة مجلدات .
ولذا قد يتخيل لمن يتصفح صفحات هذا التفسير ويعيش معه بعقله الصافي و روحه الشفافة والنقية كأنه كتب بقلم الوحي الرباني .
وحقاً ما قيل :
أنه ليس بالإمكان لهذا التفسير أن يقرأ كما تقرأ المجلة والصحيفة والكتاب الروائي ، بحيث يكون بمقدور أي شخص أن يتناول الكتاب ويقرأه ليفهمه مباشرة، كلا بل هذا التفسير هو كتاب درسي يحتاج فهمه إلى أستاذ .(5)
وكيف لا يكون كذلك وقد خطته الأنامل الطاهرة للسيد محمد حسين الطباطبائي "رحمه الله" صاحب النبوغ الفكري، والذهنية الوقادة، والابتكارات العلمية والفلسفية، والمتبحر في العرفان والفقه والأصول والرياضيات والعلوم الغريبة . الذي هجم به العلم على حقيقة البصيرة، وباشر روح اليقين، الذي عاش في هذه الدنيا ببدنه لا بروحه، لأن روحه متعلقة بالملأ الأعلى، والمتخلق بالأخلاق الإلهية الذي طوى المقامات العرفانية العالية، والجامع بين الوجدانيات والأذواق القلبية ، والعلوم و الكمالات الفكرية، وبين العلم والعمل .
رؤية أهل العلم و النظر في تفسير الميزان :
تفسير الميزان الجوهرة الثمينة في المكتبة القرآنية، الذي يفوق غيره من التفاسير ويمتاز عليها بأنه الأجمع للمباحث القرآنية بكل أبعادها، هذا الأثر القيم جاء تأليفه في أوج التحولات التفسيرية ـ في القرن الرابع الهجري ـ وبزغ إلى النور في هذا الجو المتأثر بالإنتاجات التفسيرية ، الذي جعل نفسه حكماً في هذا المضمار العلمي المليء بالمتجاذبات التي ربما تصل إلى التناقض والمغالطات، لذا كان يقتبس من المفسرين دون أن يشير إليهم ـ لله در هذا الخلق السامي ـ ثم يرد عليهم حلاً ونقضاً ومبيناً مواطن الضعف والخطأ فيها .ومواجهة الإشكالات والشبهات و الإثارات على الفكر الديني الإسلامي، من قِبل التيارات والاتجاهات الشرقية والغربية، والمتأثرين من أبناء المجتمع الإسلامي بالفكر العلماني والليبرالي . ولكل ذلك أصبح تفسير الميزان قِبلة المتعطشين إلى زلال الحقيقة والمعرفة وعشاق العلم والبحث والتحقيق .
ينقل السيد الطهراني "ره" عن السيد موسى الصدر إن العالم الكبير والمحقق النحرير الشيخ محمد جواد مغنية "ره" قال:
(عندما حل "تفسير الميزان" بين يدي عطلت مكتبتي، وانكببت على مطالعته، بحيث لم يكن على طاولتي كتاب غيره)(6)
يقول العلامة الشهيد المطهري "ره" :
( لم يكتب تفسير الميزان جميعه بوحي التفكير، فأنا اعتقد أن الكثير من موضوعاته هي إلهامات غيبية، وقلما تعرض لي مسألة من المسائل الإسلامية والدينية لا أجد مفتاح حلها في الميزان ) (7)
يقول السيد الطهراني "ره" :
( يعد ـ تفسير الميزان ـ فريداً من نوعه في بيان النقاط الدقيقة والحساسة، والوقوف بوجه المغالطات التي تنطوي عليها كلمات المعاندين، وهو فريد لشموله وجامعيته حتى يمكن القول بحق: لم يكتب تفسير مثله منذ عصر صدر الإسلام ) (8)
يقول السيد الطهراني "ره" :
وقلت له ـ السيد العلامة الطباطبائي ـ مرة :(حين أنكب على مطالعة هذا التفسير وأكون مشغولا به، وتواجهني بعض الأوقات مسألة كيفية ربطك للآيات بعضها ببعض بحيث تغدو كالسلسلة التي تتوازن حلقاتها فيما بينها، ثم تستخرج عن طريق التطبيق "التطبيق فيما بين الآيات نفسها وليس بأسقاط معارف أخرى عليها من خارجها" لا أملك في التعبير عن هذه الحالة إلا أن أقول:
جرى على قلمك ـ أثناء الكتابة ـ الوحي و الإلهام الإلهي .
لم يزد السيد على أن يهز رأسه ويقول: هذا من حسن نظرك فقط، وإلا فأنا لم أفعل شيئاً )
وأيضاً يقول السيد الطهراني :
وقلت للاستاذ الطباطبائي يوماً: (لم يأخذ هذا التفسير الشريف مكانه اللائق به بعد في أوساط الحوزات العلمية، ولم تدرك قيمتة الواقعية. وإذا قدّر لهذا التفسير أن يدرّس في الحوزات، ويتم التباحث حول محتواه وأفكاره، بحيث يخضع للبحث والنقد والتحليل بشكل مستمر، فيمكن عندئذ أن تدرك قيمته ولكن بعد مئتي سنه) (9)
الخصائص والمميزات :
من السمات التي أنفرد بها تفسير الميزان عن غيره من التفاســـير طريقته الخاصة وهي تفســير الآية بالآية أو تفســير القرآن بالقــرآن ، بأن يفســر القرآن نفســه بنفســــه ، كما جاء في الروايات : " إن القرآن يفســر بعضــه بعضـــه " .
يقول العلامة " رحمه الله " : وسميت الآيات القرأنية مثاني ، لأن بعضها يوضح حال البعض ويلوي وينعطف عليه، كما يشعر به قوله تعالى : « كتابا متشابها مثاني» حيث جمع بين كون الكتاب متشابها يشبه بعض آياته بعضا ً وبين كون آياته مثاني، وفي كلام النبي " صلى الله عليه وآله وسم " في صفة القرآن : ( يصدق بعضه بعضا ) وعن علي " عليه السلام " فيه : ( ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض ) أو هي جمع مثنى بمعنى التكرير والإعادة كناية عن بيان بعض الآيات ببعض . (10)
" و هذا من عجيب أمر القرآن فإن الآية من آياته لا تكاد تصمت عن الدلالة و لا تعقم عن الإنتاج، كلما ضمت آية إلى آية مناسبة أنتجت حقيقة من أبكار الحقائق ثم الآية الثالثة تصدقها و تشهد بها، هذا شأنه و خاصته، و سترى في خلال البيانات في هذا الكتاب نبذا من ذلك، على أن الطريق متروك غير مسلوك و لو أن المفسرين ساروا هذا المسير لظهر لنا إلى اليوم ينابيع من بحاره العذبة و خزائن من أثقاله النفيسة ". (11)
فالقرآن صادر من مبدأ واحد ، ولذا يكون القرآن بحكم الكلام والخطاب الواحد ، ولذا لا يمكن التفكيك بين جزئياته ، فإن برزت لنا بحسب الظاهر نقطة خفاء فيه يمكن إجلائها بما فيه من جهة الوضوح والبيان والتبيان ، وبذلك الآيات تفســر نفسـها .
وهذه الطريقة فتحت الكثير من العقد المغلقة، وأن معرفة (باب ينفتح منها ألف باب) يمكن بواسطتها رؤية القرآن الكريم بتمامه كأبواب إلهية مفتحةٍ .
إن طريقة تفسير القرآن بالقرآن نتج عنها الكثير من الفوائد والميزات التي انفرد بها هذا التفسير منها:
انه فصّل الآيات الأصلية التي تمد وتغذي الظواهر من الآيات الفاتحة لبواطن القرآن .
ومنها أنه ميّز التفسير عن التأويل الذي هو وراء المعنى لا اللفظ ، حيث أن تشخيص الحقيقة والمجاز العقليين يكون من مختصات العقل والوحي لا اللغة « لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد » (12). (13)
أيضاً من النتائج التي نحصل عليها من خلال تفسير القرآن بالقرآن:
أننا نستطيع أن نقسم الآيات القرآنية إلى آيات أساسية وآيات فرعية، وكيفية ظهور الآيات الأساسية في الآيات الفرعية، وكيفية رجوع الآيات الفرعية إلى الأساسية.
فعندما يبحث المصنف "ره" حول آية من الآيات يستوعب بحثه كل القرآن، حيث أنه إما أن يبحث الآيات الموافقة بعنوان الاستدلال أو الاستمداد.
أو يبحث الآيات التي لا تكون في ظاهرها اللفظي متوافقة معها فيشرحها ويفسرها بنحو يبين أن لا تناقض في البين،وأن أي احتمال للتناقض مردود. لأن ذلك لا يتفق مع انسجام والتئام القرآن الكريم الذي هو معجز في ذاته وبياناته .
" متعرض للجليل و الدقيق من المعارف الإلهية «الفلسفية» و الأخلاق الفاضلة و القوانين الدينية الفرعية من عبادات و معاملات و سياسات و اجتماعيات و كل ما يمسه فعل الإنسان و عمله، كل ذلك على أساس الفطرة و أصل التوحيد بحيث ترجع التفاصيل إلى أصل التوحيد بالتحليل، و يرجع الأصل إلى التفاصيل بالتركيب.
و قد بين بقاؤها جميعا و انطباقها على صلاح الإنسان بمرور الدهور و كرورها بقوله تعالى: «و إنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد»: حم سجدة - 42.
و قوله تعالى: «إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون»: الحجر - 9، فهو كتاب لا يحكم عليه حاكم النسخ و لا يقضي عليه قانون التحول و التكامل . (14)
وأيضاً من النتائج المهمة جداً هو استحكام طبيعة أصل التفسير القرآني بحيث نحصل على نتيجة في غاية الأهمية من جانب القيمة العلمية وهي أن الحصيلة العلمية بكل أبعادها التي جاءت في النهج القرآني خالية من الاختلافات الجذرية في أسسها وأصولها العلمية، وينتج عن ذلك انه ليس هناك أي اختلاف في أصل المتن وهو القرآن الكريم . (15)
يقول العلامة " رحمه الله " : و هذا الكتاب جاء به النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" نجوما و قرأه على الناس قطعا قطعا في مدة ثلاث و عشرين سنة في أحوال مختلفة و شرائط متفاوتة في مكة و المدينة في الليل و النهار و الحضر و السفر و الحرب و السلم في يوم العسرة و في يوم الغلبة و يوم الأمن و يوم الخوف، و لإلقاء المعارف الإلهية و تعليم الأخلاق الفاضلة و تقنين الأحكام الدينية في جميع أبواب الحاجة، و لا يوجد فيه أدنى اختلاف في النظم المتشابه كتابا متشابها مثاني، و لم يقع في المعارف التي ألقاها و الأصول التي أعطاها اختلاف يتناقض بعضها مع بعض و تنافي شيء منها مع آخر، فالآية تفسر الآية و البعض يبين البعض و الجملة تصدق الجملة كما قال علي "عليه السلام" : ينطق بعضه ببعض و يشهد بعضه على بعض . و لو كان من عند غير الله لاختلف النظم في الحسن و البهاء و القول في الشداقة و البلاغة و المعنى من حيث الفساد و الصحة و من حيث الإتقان و المتانة. (16)
ويبرهن العلامة " رحمة الله " على ضرورة تفسير القرآن بالقرآن بثلاثة أمور :
أولاً : إن القرآن نور ، والنور لا يحتاج إلى غيره .
ثانياً : إن التحدي القرآني منوط بما يلي :
أ / إن الوضوح من لوازمه ، حيث أن مفاهيمه واضحة بالنسبة إلى المخاطب به .
ب / إن فهم القرآن لا يحتاج ولا يعتمد على أي شيء آخر .
ثالثاً : أنه قد وردت روايات كثيرة تدعونا للتمسك والأخذ بالقرآن الكريم ، وأن القرآن هو المعيار لمعرفة صدور الرواية عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ، فلو كان فهم القرآن متوقف على الروايات للزم منه الدور .
ولابد أن نلفت النظر إلى أن منهجية تفسير القرآن بالقرآن تختلف عن طريقة أخرى وهي ضرب القرآن بالقرآن التي نهى عنها .
حيث أن هناك فارقاً بينهما حكمياً وموضوعياً، فقد قال الإمام الصادق "عليه السلام":( فما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض إلا كفر ) (17)
وهو فصل حقيقة القرآن الواحدة وخلطها ، وقطع أواصر الارتباط بين الآيات القرآنية وأن لا يلحظ جانب الاتصال بين الآيات، ولا بين الآية الواحدة، فيبتر الاتصال بين صدر الآية وذيلها وهو نوع من تفسير القرآن بالرأي، ولذا نهى عنه بشدة من جانب الأئمة الأطهار عليهم السلام .
من الميزات التي امتاز بها العلامة الطباطبائي "ره" التبحر العميق في الأصول العقلية، فقد ترشح ذلك في تفسير الآيات وقد استفاد من تلك الأسس العقلية البينة أو المبينة، فكان يفسر الآية على أن لا تكون مخالفة لأي دليل عقلي قطعي، لأن أي احتمال يناقض الموازين القطعية العقلية باطل في ذاته.
وأن وجود التناقض بين العقل والوحي مرفوض، لأنه لا يمكن أن يكون بين الحجتان الإلهيتان تباين، فالعقل مصباح منير والوحي صراط مستقيم . و لا يمكن الاستفادة من أحدهما دون الآخر .
ومما أمتاز به هذا التفسير اشتماله على بحوث إضافية، فمنها الروائية و الاجتماعية والتاريخية ، والكلامية ، والفلسفية ، والعلمية ...
وقد استلزم ذلك الشمولية والعمومية له ، ومسايرته للأفكار والاتجاهات العصرية ، ومقارنة الفكر الديني الإسلامي ببقية الأفكار والاتجاهات الأخرى الدينية والإلحادية ، ومعالجة الكثير من الشبهات والإشكالات التي تثار على الدين سواء من داخل المجتمع الإسلامي أو من خارجه .
ومن نقاط الامتياز لهذا التفسير دفاعه عن فكر مدرســة أهل البيت " عليهم السلام "، وبيان حقيقة التشيع ومعتقداته، وأصوله وفروعه، ببيان دقيق وعميق، من خلال بيان تفسير الآيات والسنة الشريفة ، من كتب المدرستين ، من دون أن يثير حفيظة احد على الآخر .
فعند بحثه في آية التطهير وبيان انها نزلت في أهل البيت " عليهم السلام " يقول :
أن الآية نزلت في النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" و علي و فاطمة و الحسنين "عليهم السلام" خاصة لا يشاركهم فيها غيرهم.
و هي روايات جمة تزيد على سبعين حديثا يربو ما ورد منها من طرق أهل السنة على ما ورد منها من طرق الشيعة فقد روتها أهل السنة بطرق كثيرة عن أم سلمة و عائشة و أبي سعيد الخدري و سعد و وائلة بن الأسقع و أبي الحمراء و ابن عباس و ثوبان مولى النبي و عبد الله بن جعفر و علي و الحسن بن علي "عليهما السلام" في قريب من أربعين طريقا.
و روتها الشيعة عن علي و السجاد و الباقر و الصادق و الرضا "عليهما السلام" و أم سلمة و أبي ذر و أبي ليلى و أبي الأسود الدؤلي و عمرو بن ميمون الأودي و سعد بن أبي وقاص في بضع و ثلاثين طريقا.
فإن قيل: إن الروايات إنما تدل على شمول الآية لعلي و فاطمة و الحسنين "عليهم السلام" و لا ينافي ذلك شمولها لأزواج النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" كما يفيده وقوع الآية في سياق خطابهن.
قلنا: إن كثيرا من هذه الروايات و خاصة ما رويت عن أم سلمة ـ و في بيتها نزلت الآية ـ تصرح باختصاصها بهم و عدم شمولها لأزواج النبي .(18)
وفي بحثه في سبب نزول سورة الإنســان وإنكار البعض بأنها لا ترتبط بأهل البيت وأنها نزل في مكة يقول "رحمه الله": و في الدر المنثور، أخرج ابن الضريس و ابن مردويه و البيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الإنسان بالمدينة.
و فيه، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى: «و يطعمون الطعام على حبه» الآية قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب و فاطمة بنت رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم".
أقول: الآية تشارك سائر آيات صدر السورة مما تقدم عليها أو تأخر عنها في سياق واحد متصل فنزولها فيهما "عليه السلام" لا ينفك نزولها جميعا بالمدينة.
و في الكشاف،: و عن ابن عباس: أن الحسن و الحسين مرضا فعادهما رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" في ناس معه فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك ولديك ظ فنذر علي و فاطمة و فضة جارية لهما إن برءا مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام فشفيا و ما معهم شيء. فا ستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير فطحنت فاطمة صاعا و اختبزت خمسة أقراص على عددهم فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل و قال: السلام عليكم أهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه و باتوا لم يذوقوا إلا الماء و أصبحوا صياما. فلما أمسوا و وضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه، و وقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك. فلما أصبحوا أخذ علي بيد الحسن و الحسين و أقبلوا إلى رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" فلما أبصرهم و هم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها و غارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبريل و قال: خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك فأقرأه السورة: أقول: الرواية مروية بغير واحد من الطرق عن عطاء عن ابن عباس و نقلها البحراني في غاية المرام، عن أبي المؤيد الموفق بن أحمد في كتاب فضائل أمير المؤمنين بإسناده عن مجاهد عن ابن عباس، و عنه بإسناد آخر عن الضحاك عن ابن عباس و عن الحمويني في كتاب فرائد السمطين بإسناده عن مجاهد عن ابن عباس، و عن الثعلبي بإسناده عن أبي صالح عن ابن عباس، و رواه في المجمع، عن الواحدي في تفسيره. (19)
هذه لمحة مختصرة حول خصوصيات هذا السفر النفيس والقيم ، والتي أردتُ أن أتعرَّف بها على هذا الكتاب أولا وبالذات ، و أداء لبعض الحق نحو صاحب الكتاب ثانيا ، في أيام ذكرى وفاته في مثل هذه الأيام (20 )، واعترف مطأطئ الرأس ذليلا أمام شخصك الشامخ الجليل يا ســيدي العلامة فيه بالقصور والتقصير ، فسـلام عليك يوم ولدت ، وسـلام عليك يوم نزعت الخلعة المادية ، وتجردت عن عالم المادة والأدران ، ورحلت عن هذه الدنيا الدنية مطمـئنا ، وسلام عليك يوم تبعث حيا مسرورا .
المصــــادر :
1ــ مؤلف كتاب الميزان السيد محمد حســـين الطباطبائي ، شرع في هذا التفسير في حدود ســنة 1374هـ ، وأنهاه في ليلة القدر " 23 رمضان لســنة 1392 هـ " ، ويتكون من عشــرين مجلداً .
2- رسالة التشيع ص 353
3- ن. م ص354
4- للاستاد : حسن الرمضاني الخراساني " سماعا "
5- لقاء مع السيد محمد باقرا لهمداني / رسالة التشيع ص 472
6- الشمس الساطعة " نسخة الكترونية "
7- تطور الدرس الفلسفي . ص190
8- أصول التفسير والتأويل ص 97
9- العلامة الطباطبائي ملامح في السيرتين الشخصية والعلمية ص354
10-الميزان ج 12 ص 190
11-الميزان ج 1 ص 75
12-سورة ق /37
13-سيرة العلامة الطباطبائي ص 47
14-الميزان ج 1 ص 64
15-سيرة العلامة الطباطبائي ص 47 -48
16-الميزان ج 1 ص 68
17-البحار ج89 ص39
18-الميزان ج 16 ص 317
19-الميزان ج 20 ص 144 ــ 145
20-توفي العلامة الطباطبائي " رحمه الله تعالى بواسع رحمته " في صبيحة يوم الأحد الثامن عشر من محرم الحرام سنة 1402 هــ ، ودفن في حرم السيدة المعصومة " سلام الله عليها " في مدينة قم المقدسة .